مضامين مفهوم المواطنة في فكر رواد النهضة العربية
p. 85-137
Résumé
تنطلق هذه الدراسة من افتراض يزعم أن رواد النهضة العربية، قد استوعبوا مضامين مفهوم المواطنة، حتى وإن لم يلجأوا إلى المصطلح نفسه. فقد اكتشف أولئك الرواد، بعد ما سُمّي بصدمة الاحتكاك بالغرب، وسائل الحداثة المجتمعية، التي مكّنت "الآخر" من التمدن، فسعوا إلى التنوير بها، ودعوا إلى اقتباسها وذلك على قاعدة الاقتباس المشروط وليس التقليد الأعمى. ومن أبرز هذه الوسائل كانت، في رأيهم، فكرة "الوطنية". اشتقوا كلمة "الوطنية" من "وطن"ونطلقوا من أن هناك علاقة جدلية بين الوطن وأبنائه، وبين حقوق أبناء الوطن وواجباتهم.
Texte intégral
Présentation du texte et note sur la traduction |
Dans ce texte, l’auteur démontre que si le mot « citoyenneté » a émergé tardivement en arabe, sous la forme « muwâtana », son contenu, inspiré de la fréquentation des sociétés occidentales, a inspiré la réflexion de nombreux éminents penseurs arabes du xixe siècle, représentant le courant dit de la Nahda, ou Renaissance arabe. À l’appui de sa démonstration, l’auteur cite de très nombreux extraits de textes de Al-Tahtâwî, Al-Bustânî, Al-Kawâkibî, Ibn Abî Dhiyâf, Qâsim Amîn, etc. |
’Umma est à l’origine utilisé pour désigner la communauté des croyants, loin des sens ancien ou moderne de « nation ». D’où mon choix de traduire dans certains contextes par « communauté ». Milla désigne ce que nous appellerions aujourd’hui la communauté religieuse ou confessionnelle, parfois associée à une communauté linguistique. Jusqu’au xixe siècle, le mot était souvent traduit par « nation », tandis que l’on désignait aussi de cette façon les populations européennes vivant dans l’Empire ottoman (la « nation » française à Saïda, citée par Ahmad Beydoun dans sa contribution, mais en arabe, désignée comme « jâliya », qui pourrait aussi être retraduite par « colonie », ou « communauté »). De même qawm (dont le sens initial est plus proche de « peuple ») a donné qawmiyya, « nationalisme », comme si la référence implicite était au sens ancien du mot français nation, comme communauté nationale, ou peuple, au sens d’une communauté ethnico-nationale. Pour revenir au mot watan, au cœur de notre travail sur la citoyenneté, on sait qu’il peut aujourd’hui aussi renvoyer à l’idée nationale, au sens de la libération nationale, au sens où la nation (aujourd’hui ’umma, et déjà chez Al-Bustânî ou Ibn Abî Dhiyâf, préoccupé d’englober les habitants de confessions religieuses différentes dans la communauté nationale) est attachée à un territoire, associe un peuple (qawm) à un territoire (watan). D’où ce lien entre « citoyenneté », « patrie » et « nation », qui était déjà au cœur de l’invention de la citoyenneté dans la France de la Révolution de 1789, alors qu’aujourd’hui, en France et en Europe (mais plus qu’en Europe) la citoyenneté peut apparaître dissociée de l’idée de nation, ou même opposée. Au contraire, un troisième ensemble de mots autour de l’idée de cité/madîna, donne d’un côté, pour le français, « civil » et « civique », mais aussi « civilisation », et « citoyenneté », de l’autre, pour l’arabe, tamaddun, madanî et madaniyya : d’où la tentation de voir dans madaniyya aussi l’idée de citoyenneté – qui en l’occurrence était présente en turc ottoman au xixe siècle, si l’on en croît Engin Isin (Reflections on Rendering Citizenship into Turkish: Found in Translation Friday, non publié, 2004), puisque citoyenneté était alors traduit par « medeniyé ». |
Notions clés et choix de traduction |
Nahda ‘arabiyya : Renaissance arabe. |
| N.B. Nous avons adopté une translittération simplifiée de l’arabe. |
Élisabeth Longuenesse |
1
تنطلق هذه الدراسة من افتراض يزعم أن رواد النهضة العربية، قد استوعبوا مضامين مفهوم المواطنة، حتى وإن لم يلجأوا إلى المصطلح نفسه. فقد اكتشف أولئك الرواد، بعد ما سُمّي بصدمة الاحتكاك بالغرب، وسائل الحداثة المجتمعية، التي مكّنت "الآخر" من التمدن، فسعوا إلى التنوير بها، ودعوا إلى اقتباسها وذلك على قاعدة الاقتباس المشروط وليس التقليد الأعمى. ومن أبرز هذه الوسائل كانت، في رأيهم، فكرة الوطنية وفكرة المساواة.
2وقد تبنى رواد النهضة العربية الأفكار الحديثة عبر ثلاث قنوات، حيث تبنّاها رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) وأديب اسحق (1856 1885) وخير الدين التونسي (1820-1890) وأحمد ابن أبي الضياف (1802- 1874) وقاسم أمين (1863-1908) وفرح أنطون (1874-1922) ، من خلال الاحتكاك المباشر بالدول الغربية، بينما تبنّاها بطرس البستاني (1819 - 1883) وسليم البستاني (1848-1884) من خلال الإرساليات التبشيرية والمدارس الحديثة التي أنشأتها، في حين تبنّاها عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902) من خلال الكتب المترجمة.
3وقد استفاد أولئك الرواد، في ترويج هذه الأفكار، من ظروف ملائمة برزت في القرن التاسع عشر، وتمثّلت في سياسة "التنظيمات" الإصلاحية التي تبنّتها الحكومة العثمانية، وفي سياسات الإصلاح التي اعتمدها حكام مصر وتونس.
تعريف الوطن
4اشتق رواد النهضة العربية كلمة الوطنية من وطن، وهي كلمة عربية أصيلة، واتفقوا تقريباً على تعريف واحد للوطن، حيث عرّفه رفاعة رافع الطهطاوي بأنه:
"عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشّأّته تربتُه وغذاؤه وهواؤه، وربّاه نسيمُه، وحلت عنه التمائمُ فيه ".
5ونسب الطهطاوي أبناء الوطن إلى مصر، مشيراً إلى أن ابن الوطن الذي "توطّن به واتّخذه وطناً، ينسب إليه، تارة إلى اسمه فيقال: مصري مثلاً، أو إلى الأهل فيقال: أهلي، أو إلى الوطن فيقال: وطني "1
6بينما عرّفه بطرس البستاني بأنه:
"ألذ ما زيُّن به جيد العربية من الكلمات المولدة"، وهو "أشبه بسلسلة متصلة كثرت حلقاتها، طرفها الأول منزلنا أو مسقط رأسنا بمن حواه، وطرفها الآخر بلادنا بمن فيها، ومركز طرفيها ومغناطيسهما قلبنا، أو هما مركز قلبنا ومغناطيسه"،
7معتبراً أن الوطن المنشود هو سورية، إذ كتب:
"فسورية المشهورة ببر الشام وعربستان هي وطننا على اختلاف سهولها ووعورها وسواحلها وجبالها"، وأن أبناء الوطن "هم سكان سورية على اختلاف مذاهبهم وهيئاتهم وأجناسهم وتشعباتهم... وأبناء وطننا هم أحسن الناس عندنا "2.
8أما أديب اسحق، فقد عرّف الوطن بأنه "المسكن يقيم به الإنسان" و"البلاد يتوطنها سواد الأمة الأعظم ويتوالدون فيها"، مؤكداَ أن "لا وطن إلا مع الحرية"، وأن " لا وطن في حالة الاستبداد"3
الوطنية نتاج العلاقة الجدلية بين الوطن وأبنائه
9انطلق رواد النهضة العربية من أن هناك علاقة جدلية بين الوطن وأبنائه، وبين حقوق أبناء الوطن وواجباتهم. إذ قدّر الطهطاوي أن لأهل الوطن حقوقاً على وطنهم كما أن للوطن واجبات على أهله، معتبراً أن صفة الوطنية:
" لا تستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضاً أن يؤدي الحقوق التي للوطن عليه، فإذا لم يوفِ أحد من أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها على وطنه".
10وفي المقابل، فإن
"انقياد الوطني لأصول بلده يستلزم، ضمناً – كما تابع - ضمان وطنه له التمتع بالحقوق المدنية والتمزي بالمزايا البلدية"؛ وعند ضمان هذه الحقوق "يسوغ للوطني الحقيقي أن يملأ قلبه بحب وطنه، لأنه صار عضواً من أعضائه".
11ووجد الطهطاوي أساساً لحب أبناء الوطن لوطنهم في التجربة الإسلامية في قول الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب: "عمّر الله البلاد بحب الأوطان"، مؤكداً أن حب الأوطان هو:
"فضيلة جليلة لا يؤدي حق الوفاء بها إلا من حاز الشمايل النبيلة... لا سيما إذا كان الموطن منبت العز والسعادة والفخار والمجادة كديار مصر، فهي أعز الأوطان لبنيها ومستحقة لبرها منهم بالسعي لبلوغ أمانيها"
12كما أن حب الأوطان هو
"من الصفات الجميلة التي تتمكن من كل واحد منهم في جميع أوقاته مدة حياته، وتجعل كل إنسان منهم محبوباً للآخرين. فما أسعد الإنسان الذي يميل بطبعه لإبعاد الشر عن وطنه ولو بإضرار نفسه"4
13واعتبر بطرس البستاني، من جهته، أن التمدن الحقيقي لأهالي سورية، يستلزم أمرين، "أحدهما وجود الألفة بين أفرادهم وفئاتهم وعلى الخصوص الألفة المدنية"، والثاني هو "حب الوطن وتفضيل صالحه على الصوالح الذاتية سواء كانت شخصية أم طائفية"، مؤكداً أن أبناء الوطن، سورية، ما داموا "لا يشعرون بأن الوطن وطنهم والبلاد بلادهم لا يؤمل منهم حب الوطن ولا السؤال عن صالحه العمومي".
14وحذّر البستاني من مخاطر انتشار التعصب المذهبي بين أبناء الوطن، ومن أبرزها خطر الحرب الأهلية، التي كانت في نظره من
"أشر الحروب وأقبحها وأبشعها"، تنتج في الغالب، كما كتب، عن "أسباب زهيدة ولأجل غايات دنيّة"، تتنافى مع "أكرم وأشرف الحقوق، حقوق الجيرة والأخوة الوطنية"،
15مؤكداً أن:
الذين "يبدّلون حب الوطن بالتعصب المذهبي ويضحون خير بلادهم لأجل غايات شخصية، فهؤلاء لا يستحقون أن ينسبوا إلى الوطن وهم أعداء له"5
ثلاثة أصناف من الأنظمة السياسية
16اكتشف رواد النهضة العربية أن هناك ثلاثة أنظمة سياسية سائدة في الغرب، هي نظام الملكية المطلقة، والنظام الجمهوري، ونظام الملكية المقيّدة.
17وتوقف أحمد ابن أبي الضياف مطوّلاً أمام هذه الأصناف الثلاثة من المُلك، حيث عرّف المُلك المطلق بأنه المُلك الذي
"يسوق الناس بعصاه إلى ما يراد منهم، بحسب اجتهاده في المصلحة"، وهو نظام "يعارضه الشرع، لأنه تصرّف في عباد الله وبلاده بالهوى"، كما أنه نظام "يفضي إلى نقص في بعض الكمالات الإنسانية، من الشجاعة، وإباءة الضيم، والمدافعة عن المروءة، وحب الوطن والغيرة عليه".
18أما المُلك الجمهوري، مثل "النظام السائد في أمريكا"، فهو يتميّز بأن الناس "
يقدمون رجلاً منهم باختيارهم، يلي سياستهم ومصالحهم لمدة معينة، ولما تتم يخلفه غيره، باختيارهم أيضاً، وهلم جرا. ولا يجعلون لهذا المُقَدَّم شيئاً من فخامة الملك وشاراته، بل هو كواحد منهم ينفذ ما يتفق عليه الرأي من أهل المشورة"،
19مضيفاً بأن هذا الصنف الذي ينطوي على "نفع دنيوي للعامة والخاصة، حيث كان أمرهم شورى بينهم"، لا يتناسب مع قواعد الملة الإسلامية "لأن منصب الإمامة واجب على الأمة شرعاً".
20بينما المُلك المقيّد بقانون، هو الذي يتناسب – كما أضاف – مع قواعد الإسلام، حيث هو، بعد الخلافة،
"الملك الذي يحاط به العباد، ويماط به الفساد، ويناط به المراد، وصاحبه ظل الله في الأرض ينتصف به المظلوم، وتداوى بعدله الكلوم، لأن أمره دائر بين العقل والشرع، وصاحبه يتصرف بقانون معلوم معقول في سائر أموره، لا يتجاوزه، ويلتزم العمل به عند البيعة ويؤكد ذلك باليمين، في ذلك المشهد، فإذا تعمد مخالفته انحلت بيعته من الأعناق"6.
في تدبير الدولة الفرنساوية
21خلال إقامته في باريس ما بين عامَي 1826 و 1831، شهد رفاعة رافع الطهطاوي أحداث ثورة تموز 1830، واطّلع على مواد الدستور، والتعديلات التي أُدخلت عليها بعد الثورة، فاستخلص أن ملك فرنسا:
"ليس مطلق التصرف"، وأن السياسة الفرنساوية هي "قانون مقيد"، بحيث إن الحاكم هو الملك "بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القانون الذي يرضى به أهل الدواوين"، والذي يسمى "الشرطة".
22ولاحظ أن أحكام الفرنساوية القانونية:
"ليست مستنبطة من الكتب السماوية، وإنما هي مأخوذة من قوانين أخر غالبها سياسي"، ويقال لها "الحقوق الفرنساوية، أي حقوق الفرنساوية بعضهم على بعض"7
23ولاحظ الطهطاوي أن هناك ثلاث سلطات في الدولة الفرنسية، حيث القوة الحاكمة وما يتفرع عنها، التي تسمّى بالملكية:
"هي أمر مركزي تنبعث منه ثلاثة أشعة قوية تسمى" أركان الحكومة وقواها"؛ فالقوة الأولى "قوة تقنين القوانين وتنظيمها وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أو السياسة الشرعية"، والثانية "قوة القضاء وفصل الحكم"، والثالثة "قوة التنفيذ للأحكام بعد حكم القضاة".
24وتتفرع القوة الأولى إلى فرعين: "ديوان البير"، أي أهل المشورة الأولى، ووظيفته متوارثة وتتمثّل في "تجديد قانون مفقود أو إبقاء قانون موجود على حاله"، و "ديوان رسل العمالات"، ويتألف "من جملة رسل ينتخبهم المنتخِبون الذين يُقال لهم اللكتور"، ووظيفته غير متوارثة، وهو مسؤول
"عن امتحان القوانين والسياسات والأوامر، والبحث عن إيراد الدولة ومدخولها ومصرفها، والمنازعة في ذلك والممانعة عن الرعية في المكوس والفرد [الضريبة] وغيرها، إبعاداً للظلم والجور"8.
حقوق الفرنساوية وواجباتهم
25وقد عدّد الطهطاوي الحقوق التي يتمتع بها الفرنسيون، فرأى أن أعظم هذه الحقوق
"هو القانون الذي حصّلوه ببذل أرواحهم"، والذين هم " مستوون" في أحكامه "على اختلافهم في العظم والمنصب والشرف والغنى".
26وتابع أن هذا القانون قد ضمن لكل إنسان التمتع بحريته الشخصية،
"حتى لا يمكن القبض على إنسان إلا في الصور المذكورة في كتب الأحكام"، ولا يحكم على إنسان "إلا بقضاة محل استيطانه، والدعاوى تقام جهراً، وذنوب الجنايات لا يحكم فيها إلا بحضرة جماعة يسمون الجوريين، والعقوبة بالقبض على الأموال بطلت"9.
27كما أن كل إنسان يتبع دينه الذي يختاره
"كون تحت حماية الدولة، ويعاقب من تعرض لعابد في عبادته، ولا يجوز وقف شيء على الكنائس أو إهداء شيء لها إلا بإذن صريح من الدولة".
وكل فرنساوي له "أن يبدي رأيه في مادة السياسات أو في مادة الأديان، بشرط أن لا يخل بالانتظام المذكور في كتب الأحكام"، وهذا "يقوّي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعمله وسائر ما يخطر بباله مما لا يضرّ غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه، خصوصاً الورقات اليومية المسماة بالجرنالات والكازيطات فإن الإنسان يعرف منها سائر الأخبار المتجددة، سواء أكانت داخلية أو خارجية".
28وكل الأملاك على الإطلاق
"حرم لا تهتك، فلا يكره إنسان أبداً على إعطاء ملكه إلا لمصلحة عامة، بشرط أخذه قبل التخلية قيمته، والمحكمة هي التي تحكم"10.
29وأكد الطهطاوي أن
"استواء الإنسان في حقوقه مع غيره يستلزم استواءه مع ذلك الغير في الواجبات التي تجب للناس بعضهم على بعض"؛ فالواجبات "دائماً ملازمة للحقوق لا تنفك عنها".
30وفي مقابل الحقوق التي يتمتع بها، يتعيّن على كل فرنساوي
"أن يعين الدولة من ماله على قدر حاله"؛ ويمكن أن يقال "إن الفرد [الضريبة] ونحوها لو كانت مرتبة في بلاد الإسلام كما هي في تلك البلاد لطابت للنفس"، كما يتعيّن على كل إنسان "أن يعين في حفظ المملكة العسكرية بشخصه"11.
شرعنة اقتباس مؤسسات دولة القانون
31اعتبر رواد النهضة العربية أن اقتباس مؤسسات دولة القانون السائدة في بعض الدول الغربية لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.
32فقد تصوّر خير الدين التونسي العالم وحدة متماسكة تعيش فيها أمم يؤثر بعضها في بعض، حيث كتب:
"لم نتوقف أن نتصوّر الدنيا بصورة بلدة متحدة، تسكنها أمم متعددة، حاجة بعضهم لبعض متأكدة... ما ينجز بها (أحد الشعوب) من الفوائد العمومية مطلوب لسائر بني جنسه".
33وتابع بأن هدف كتابه: "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، هو "ذكر الوسائل التي أوصلت الممالك الأوروباوية إلى ما هي عليه من المنعة والسلطة الدنيوية"، والهدف إنما هو:
"أن نتخير منها ما يكون بحالنا لائقاً... عسى أن نسترجع منه ما أخذ من أيدينا، ونخرج باستعماله من ورطات التفريط الموجود فينا"12
34وعبّر خير الدين عن قناعته بأن أخذ الدول الإسلامية بأسباب التمدن الأوروبي، بصورة اختيارية، أضمن لمستقبلها من فرض هذه الأسباب عليها فرضاً، وكتب:
"سمعت من بعض أعيان أوروبا ما معناه أن التمدن الأورباوي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع فيُخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار، إلا إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق"13
35وبعد أن دعا خير الدين إلى استعارة تجربة الغرب وخاصة "تقدم الافرنج في المعارف الناتجة عن التنظيمات المؤسسة على العدل والحرية"، عبّر عن تعجبه من أولئك الذين ينكرون عليه موقفه في استعارة "ما يستحسن من أعمال الافرنج" مع أنهم "لا ينكرون على أنفسهم مجاراة الأوروبيين في الملابس والأثاث والمساكن ونحوها". وأضاف:
"فإنّا إذا تأملنا في حالة هؤلاء المنكرين لما يستحسن من أعمال الافرنج، نجدهم يمتنعون في مجاراتهم فيما ينفع من التنظيمات ونتائجها، ولا يمتنعون منها فيما يضرهم، وذلك إنّا نراهم يتنافسون في الملابس وأثاث المساكن ونحوها"14.
تبيئة مؤسسات دولة القانون في البيئة العربية الإسلامية
36لجأ رواد النهضة العربية إلى وسيلتين لتبئية مؤسسات دولة القانون في البيئة العربية الإسلامية، وهما نقل أسماء هذه المؤسسات إلى اللغة العربية، من جهة، والزعم أن هذه المؤسسات وما تنطوي عليه لها ما يماثلها في الفكر والفقه الإسلاميين من جهة أخرى.
37فقد حاول الطهطاوي، ومن خلال معاناة شديدة، وصف المؤسسات الباريسية، التي تعرّف إليها، باستخدام مفردات وردت باللغة العربية للمرة الأولى، سواء عن طريق تعريب الأسماء الفرنسية لهذه المؤسسات (مثل "شمبر دو بير"، يعني "ديوان البير"، أو "اللكتور")، أو عن طريق استعمال المفردة العربية الأصيلة بمعنى جديد أضفاه عليها الطهطاوي للتعبير عنها ("الشرطة")، أو عن طريق ترجمة المصطلحات الأوروبية ترجمة حرفية ("ديوان رسل العمالات" بمعنى "ديوان رسل المقاطعات").
38وبخصوص الوسيلة الثانية، اعتبر الطهطاوي أن:
"جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت حقوق أهالي باقي الأمم المتمدنة إليها، وجعلوها أساساً لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم"، قَلَّ أن تخرج عن أصول الفقه "التي بنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات". فما يسمى في الدول الإسلامية بعلم أصول الفقه "يسمى ما يشبهه عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهي عبارة عن قواعد عقلية، تحسيناً وتقبيحاً، يؤسسون عليها أحكامهم المدنية"؛ وما يسمّى بفروع الفقه "يسمى عندهم بالحقوق أو الأحكام المدنية"؛ وما يسمى في الإسلام بالعدل والإحسان "يعبرون عنه بالحرية والتسوية"؛ وما يتمسك به المسلمون من محبة الدين "يسمونه محبة الوطن"15.
39أما خير الدين التونسي الذي قسّم الحرية في الغرب إلى قسمين: حرية شخصية وحرية سياسية، فقد حاول البحث عن مقابل إسلامي لمفهوم الحرية هذا، فكتب:
"(وهذا) على نحو ما أشير إليه بقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه (من رأى منكم فيَّ اعوجاجاً فليقوّمه) يعني انحرافاً في سياسته للأمة وسيرته معها".
40وأضاف أن المقابل في التجربة الإسلامية التاريخية للهيئة التي تنظّم الحرية، أي "مجلس نواب العامة"، هم "أهل الحل والعقد". ولما كان خير الدين يعرف أن "أهل الحل والعقد " المسلمين هؤلاء" غير منتخبين من الشعب، فهو يجد لذلك ما يبرره حيث يقول:
"وإن لم يكونوا منتخبين من الأهالي وذلك أن تغيير المنكر في شريعتنا من فروض الكفاية، وفرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الطلب به من الباقين، وإذا تعينت للقيام به جماعة صار فرض عين عليهم بالخصوص"16.
41وعلى أساس استناد القانون الذي يضمن العدل والمساواة، وهما أساس التقدم عنده، إلى أحد أمرين "إما شرع سماوي أو سياسة معقولة"، اعتبر خير الدين أن الشريعة "لا تنافي تأسيس التنظيمات السياسية المقوية لأسباب التمدن ونمو العمران"، وأن القوانين المستجدة التي تقتضيها ظروف الحياة المتغيرة، لا يمكنها أن تجري دوماً على الأصول الشرعية "لأسباب شتى يطول شرحها"، الأمر الذي يفرض "تشريع قوانين جديدة تضاف إلى الأصول [الشرعية]"، مضيفاً بأن القائمين على تطبيق الشرع السماوي "هم أهل الحل والعقد"، في حين ان القائمين على تطبيق السياسة المعقولة "هم أعضاء المجالس المنتخبة"، علماً بأن "مقصود الفريقين واحد"، وهو "الاحتساب على الدولة لتكون سيرتها مستقيمة"، بمعنى "محاسبة أو محاكمة تصرفات المسؤولين"17.
42وعلى الخطى نفسها ، رأى أحمد ابن أبي الضياف، أن فروع القانون، الذي يحكم المُلك المقيّد في الدول الإسلامية، يمكن أن تنقسم إلى شقين: شرعي، يستند إلى النص، من جهة، وسياسي، يستند إلى العقل، من جهة ثانية، معتبراً أن هذا الشق الثاني ينسجم مع
"الفعل الذي يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه شرع ولا نزل به وحي... لأن أحكام الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، ومن أعظم مقاصدها العدل ووسائله".
43ومن جهة أخرى، أكد ابن أبي الضياف أن "مجلس الشورى" في الدول الأوروبية، الذي ينتخبه الأهلون، "ليحمي حقوقهم الإنسانية ويدافع عنها، بغير خروج عن الطاعة"، والذي يسائل الوزراء ويعارضهم"، هو مجلس " معتبر" في نظر الشرع الإسلامي اليوم، لأنه "وسيلة إلى جمع الكلمة وعدم الافتراق في الأمة، والمحبة بين الراعي والرعية، وصون الدماء والأموال"18.
الرابطة الوطنية تقوم على الفصل بين الدين والدولة
44لم يطرح الشيخ الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي بصورة واضحة مبدأ الفصل بين الدين والدولة، علماً بانه أشار إلى المخاطر التي يتعرض لها الوطن إذا ما تداخلت حكومته في عقائد رعاياها وتعصب الحكام لدين ضد دين.
45أما بطرس البستاني، الذي شهد صدامات 1860 الطائفية بين الدروز والموارنة في جبل لبنان، فقد دعا إلى الفصل الواضح بين الأديان والمدنيات، حيث كتب:
"وما دام قومنا لا يميّزون بين الأديان التي يجب أن تكون بين العبد وخالقه والمدنيات التي هي بين الإنسان وابن وطنه أو بينه وبين حكومته والتي عليها تنبني حالات الهيئة الاجتماعية والنسابة السياسية، ولا يضعون حداً فاصلاً بين هذين المبدأين الممتازين طبعاً وديانة، لا يؤمل نجاحهم في أحدهما ولا فيهما جميعاً"
46مؤكداً:
"وجوب وضع حاجز بين الرئاسة، أي السلطة الروحية، والسياسة، أي السلطة المدنية"، على اعتبار أن "المزج بين هاتين السلطتين الممتازتين طبعاً والمتضادتين في متعلقاتهما وموضوعهما من شأنه أن يوقع خللاً بيّناً وضرراً واضحاً في الأحكام والأديان، حتى لا نبالغ إذا قلنا إنه يستحيل معه وجود التمدن وحياته ونموه"19.
47وحذّر ابنه سليم البستاني من عواقب الخلط بين السياسة والدين، وعارض تدخل رجال الدين في ما ليس من اختصاصهم في شؤون زمنية ومدنية، وذلك من منطلق أن الرضوخ للرابطة السياسية في المجتمع هو أمر "إلزامي"، بينما الرضوخ للدين هو أمر "اختياري"، معتبراً أن مزج الدين بالسياسة يفضي إلى أضرار جسيمة ويؤدي إلى تفشي التعصب، الذي هو "من أكبر الأسباب التي تؤخر تقدم العيلة البشرية"20.
48وفي الاتجاه نفسه، اعتبر فارس الشدياق أن من مقومات التمدن الجوهرية إدراك ضرورة الفصل بين الرابطة الدينية، بوصفها "رابطة روحية"، تؤلف بين قلوب جميع أبناء البشر، وبين الرابطة السياسية والاجتماعية، التي ينبغي
"أن تستند إلى الولاء للوطن الواحد وتهدف إلى تعاون أبنائه جميعاً في باب الشؤون المدنية والمعاشية العامة"21.
49كما حذّر الشيخ عبد الرحمن الكواكبي من الخلط بين حقلي السياسة والدين، ورأى أن السلطة الدينية والسلطة السياسية لم تتحدا في الإسلام إلا في عهود الخلفاء الراشدين، ونبّه إلى مخاطر "الاتّجار" بالدين واستغلاله في إذكاء النزاعات الطائفية والتفرقة الدينية. واستشهد، في هذا الصدد، بالأمم الغربية التي:
"هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري"،
50§داعياً قومه "من المسلمين والمسيحيين" إلى الاقتداء بهذه الأمم، وإلى التصدّي "لمثيري الشحناء من الأعجام والأجانب"، وجعل الأديان "تحكم في الأخرى فقط"، وإلى الاجتماع في الدنيا على قاعدة "كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء"22.
الموقف من حقوق المرأة ومساواتها
51أُعجب المثقف النهضوي العربي الحديث بالمكانة التي تحتلها المرأة في المجتمعات الغربية التي احتك بها، ملاحظاً أن المرأة الغربية لم تتقدم في المجتمع، وتصبح مساوية للرجل في الحقوق، إلا بفضل ما بلغته من العلم وبفضل فتح أبواب العمل واسعة أمامها.
52وفي إجابته عن سؤال: ما هي الأسباب التي جعلت أوضاع المرأة الشرقية متأخرة بالمقارنة مع أوضاع المرأة الغربية؟ توقف هذا المثقف أمام جملة من الأسباب، من أهمها الاستبداد المسيطر على المجتمع، والجهل الذي تعاني منه المرأة نتيجة حجبها داخل البيت وحرمانها من فرص التعلّم والعمل، والنظرة الدونية إليها، بالإضافة إلى بعض الظواهر الاجتماعية التي تنعكس سلباً على حياتها، مثل تعدد الزوجات والزواج المبكر ولجوء الرجل إلى الطلاق بأيسر السبل.
53ففي تمهيد كتابه "تحرير المرأة"، الصادر عام 1898، اعتبر قاسم أمين أن الاستبداد عندما يغلب على أمة يتحوّل إلى ظاهرة مجتمعية، بحيث "ينفث روحه في كل قوي بالنسبة إلى كل ضعيف متى مكّنته القوة من التحكّم فيه". ولما كانت المرأة ضعيفة اهتضم الرجل حقوقها، وأخذ يعاملها بالاحتقار والامتهان وداس بأرجله على شخصيتها".
54وتابع قائلاً:
"عاشت المرأة في انحطاط شديد أياً كان عنوانها في العائلة، زوجةً أو أماً أو بنتاً، ليس لها شأن ولا اعتبار، خاضعة للرجل لأنه رجل ولأنها امرأة. فني شخصها في شخص الرجل، ولم يبقَ لها من الكون ما يسعها إلا ما استتر من زوايا المنزل، واختصت بالجهل والتحجب بأستار الظلمات، واستعملها الرجل متاعاً للذة. يلهو بها متى أراد، ويقذف بها في الطرق متى شاء"23.
55بينما عالجت باحثة البادية (1886-1918) بالتفصيل الظواهر الاجتماعية المتعلقة بحياة المرأة وعلاقتها بالرجل، فرأت أن طريقة الزواج في مصر "طريقة معوجة عقيمة، نتيجتها في الغالب عدم الوفاق بين الزوجين"، مضيفة أن ما "جعل مسألة الزواج عندنا (نحن المسلمين) هينة لينة، إباحة الدين الحنيف الطلاق وتعدد الزوجات". ولكن حاشا أن يكون قصد الشارع - كما تابعت -
"ما نراه الآن من الفوضى في أدق الروابط الاجتماعية ومن نقض عهود الأسر وقلب نظامها، فإن الأديان لم تخلق لجلب البؤس وإنما خلقت لإسعاد البشر".
56ونظرت باحثة البادية إلى تعدد الزوجات باعتباره "عدو النساء الألد، وشيطانهن الفرد"، وهو "مفسدة للرجل، مفسدة للصحة، مفسدة للمال، مفسدة للأخلاق، مفسدة للأولاد، مفسدة لقلوب النساء".
57كما عارضت الزواج المبكّر، والرأي القائل بأن "سن البلوغ يجب أن يكون هو بعينه سن الزواج"، معتبرة أن الفتاة في الثانية عشرة "لا تفهم شيئاً من معنى الزواج، ولا تعلم شيئاً من أمور البيت"، ومؤكدةً أن تزويج الصغار
"لعب فيه شقاء للأمة من عدة وجوه: عناء في الزوجية، ونتيجته دائماً الشقاق أو الانفصال، كثرة وفيات الأطفال، ضعف النسل، إصابة النساء بالأمراض العصبية والأمراض النسائية الأخرى"24.
58كما دعا قاسم أمين الرجل الشرقي إلى التخلي عن بعض العادات الاجتماعية الفاسدة، وعلى رأسها عادة الزواج بأكثر من امرأة. ففي رأيه:
"لا يعذر رجل يتزوج أكثر من امرأة، اللهم إلا في حالة الضرورة المطلقة، كأن أصيبت امرأته الأولى بمرض لا يسمح لها بتأدية حقوق الزوجية"، أو "ما إذا كانت عاقراً لا تلد، لأن كثيراً من الرجال لا يتحمّلون أن ينقطع النسل في عائلتهم".
59أما في غير هذه الأحوال،
أما في غير هذه الأحوال، "فلا أرى - كما كتب - تعدد الزوجات إلا حيلة شرعية لقضاء شهوة بهيمية، وهو علامة تدل على فساد الأخلاق واختلال الحواس وشره في طلب اللذائذ".
60وأكد قاسم أمين أن من يدقق في النصوص القرآنية التي وردت في تعدد الزوجات يجد "أنها تحتوي إباحةً وحظراً في آن واحد"، مستشهداً على ذلك بآيتين من سورة النساء: الأولى:
"فانكِحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثُلاثَ ورُباعَ، فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدةً أو ما ملَكَت أيمانُكم" (النساء، 3)،
61والثانية:
"ولن تستطيعوا أن تَعدلُوا بين النساء ولوحَرَصتُم فلا تميلوا كلَّ المَيل فتَذَروها كالمعُلَقة، وإن تُصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً" (النساء، 129).
62فمن هاتين الآيتين، يتضح - كما أكد - أن الشارع
"علّق وجوب الاكتفاء بواحدة على مجرد الخوف من عدم العدل، ثم صرّح بأن العدل غير مستطاع"25.
63وفي الاتجاه نفسه، نبّه المصلح التونسي الطاهر الحداد (1899-1935)، في كتابه: إمرأتنا في الشريعة والمجتمع إلى أن القهر المسلّط على المرأة ليس ناتجاً عن الدين بل هو من فعل التاريخ، معتبراً أن الدين قد منح المرأة حقوقاً حرمها منها المسلمون. كما أن "الأحكام الشرعية"، التي كان لها دور كبير في ما تعيشه المرأة من أوضاع مزرية، ليست الأحكام التي قررها الله في كتابه وعبّر عنها الرسول في سيرته قولاً وفعلاً، بل هي أحكام "وضعها فقهاء خضعوا لظروف عصورهم ولأحوال بيئاتهم أكثر مما خضعوا لروح النص ولمقاصده الكبرى".
64وانطلاقاً من قناعته هذه، شن الطاهر الحداد حملة على تعدد الزوجات، ودعا إلى تمكين المرأة من حقها في اختيار زوجها، وعارض طرق إيقاع الطلاق ودعا إلى إرجاع الأمر فيه إلى القضاء المختص وإلى تمكين المرأة من الحق في طلب الطلاق. وذهب إلى أنه ليس في نصوص القرآن ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة أو المجتمع مهما كان هذا العمل عظيماً26.
65وكان الشيخ الطهطاوي من أوائل الذين شدّدوا على أهمية تعليم المرأة وتوفير فرص العمل أمامها، لما لذلك من انعكاسات إيجابية عديدة على المجتمع بأسره، حيث كتب:
"ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معاً، لحسن معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، فإن هذا مما يزيدهن أدباً وعقلاً، ويجعلهن بالمعارف أهلاً، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم ويعظم مقامهن".
66كما أن التعليم يساعد المرأة على طرق باب العمل
"الذي يصون المرأة عما لا يليق، ويقربّها من الفضيلة. وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء، فإن المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها، وفيما يأكلون ويشربون ويلبسون ويفرشون، وفيما عندهم وعندها وهكذا"27.
67وعلى خطى الطهطاوي، رأى بطرس البستاني في تعليم المرأة شرطاً من شروط التمدن الصحيح، وسبباً من أسباب النهضة بالمجتمع، حيث إنه "لا يمكن وجود العلم في عامة الرجال من دون وجوده في عامة النساء". وقدّر أن فوائد تعليم المرأة كثيرة:
"منها ما يرجع إلى المرأة المتعلمة نفسها، ومنها ما يعود إلى زوجها، ومنها ما يرجع إلى أولادها، ومنها ما يشمل العالم أجمع"، معتبراً أن تعليم النساء هو "الدرجة الأولى" من سلم إصلاح القوم28
68وقد انتقد بعض مثقفي النهضة العربية الرأي القائل إن المرأة أقل إدراكاً من الرجل من ناحية الطاقات العقلية، وإن الرجل يبقى متميّزاً عليها في العلوم والفنون والآداب، بحجة "صغر عقل المرأة عن عقل الرجل لكون دماغه أثقل من دماغها". فأديب اسحق تصدّى لتفنيد آراء بعض المنورين الفرنسيين، مثل جان جاك روسو، الذين قدّروا أن الطبيعة
"ميّزت الرجل بالقوة والعقل، فليس لسطوته من حد سوى تلك القوة، وذلك العقل، وخصت المرأة بالبهجة فسطوتها تزول بزوالها"،
69مستغرباً أن يصدر مثل هذا القول "عن مثل هذا الحكيم".
70وأضاف اسحق أن هذا الرأي
"لا يليق بالقرن التاسع عشر، بل نقول جهاراً ولا نخاف إنكاراً: إن المرأة مساوية للرجل ولكنها غير الرجل، فرفعها إلى المقام الذي تستحق لا يكون بمماثلتها للرجل، فإن ذلك مفسد لطبيعتها مغاير لخلقها، وإنما يحصل بإنمائها وتقديمها استمراراً من جهة إنها امرأة بحيث توجد المساواة مع الفارق"29.
وجوب التربية السياسية
71أكد رواد النهضة العربية أن نشر الوعي الوطني بين أبناء الوطن وبناته يتطلب تشجيعهم على الاهتمام بالشأن العام والانخراط في النشاط السياسي، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال التربية السياسية.
72فإذا كان للإنسان حقوق وعليه واجبات، فإن طلبه لحقوقه وتأديته لواجباته على الوجه الأكمل يقتضيان، على حد تعبير الطهطاوي،
"معرفة الحقوق والواجبات، ومعرفتهما متوقفة على فهمهما وفهمهما عبارة عن معرفة قوانين الحكومة التي هي السياسة"، أو ما يسمى "بوليتيقة"،
73ملاحظاً أن تعليم مبادئ العلوم الملكية السياسية "مهمل" في الدول الإسلامية، ومنها مصر، مع أن تعليم هذه المبادئ لأهالي هذه الدول "مما يناسب المصلحة العمومية".
74وتساءل الطهطاوي:
"فما المانع من أن يكون في كل دائرة بلدية معلم يقرأ للصبيان، بعد تمام تعليم القرآن الشريف والعقائد ومبادئ العربية، مبادئ الأمور السياسية والإدارية ويوقفهم على نتائجها...، وهل هذا التعليم إلا إيقاف أهل الوطن على معرفة حقوقهم وواجباتهم؟"،
75معتبراً أن هذا التعليم:
"له تأثير معنوي في تهذيب الأخلاق، ومنه تفهم الأهالي أن مصالحهم الخصوصية الشخصية لا تتم ولا تتنجز إلا بتحقيق المصلحة العمومية التي هي مصلحة الحكومة وهي مصلحة الوطن"الأخلاق، ومنه تفهم الأهالي أن مصالحهم الخصوصية الشخصية لا تتم ولا تتنجز إلا بتحقيق المصلحة العمومية التي هي مصلحة الحكومة وهي مصلحة الوطن"30.31.
76أما أديب اسحق الذي رفض أن تكون السياسة وقفاً خاصاً، أو احتكاراً، فقد رأى أن من حقوق الإنسان، بل من واجباته، "أن ينظر فيما يمسه وما يحيط به من الأمور الدنيوية والأحوال الاجتماعية"، وقدّر أن الإنسان الذي يتملّك الأدب السياسي، هو "الإنسان المدني الكامل الحقوق والواجبات" و "العليم بالمصلحة العمومية والحدود الشخصية"، معتبراً أن هذا الأدب لا يؤتي ثماره، بعد تحصيله، ما لم يكن للسياسة هدف محدد، أو "وجهة معلومة"، يتفق عليها الجميع في إطار "الجامعة الوطنية"، وذلك على الرغم "من اختلاف الآراء وتنوع المشارب وتلون التصورات"32.
"عهد الأمان": القانون الذي يحكم الدولة التونسية
77من "الدساتير"، أو القوانين، التي صدرت على يد رواد النهضة العربية، سأتوقف عند بعض بنود "عهد الأمان"، الذي صاغه أحمد ابن أبي الضياف بطلب من المشير محمد باشا باي صاحب المملكة التونسية، وصدر في العشرين من محرم 1274 هجري، الموافق لـ 9 أيلول 1857 ميلادي، ومنح فيه الباي "عهد الأمان" لسائر أهل المملكة.
78أما ظروف إصدار هذا "العهد"، فتعود - كما أوردها ابن أبي الضياف - إلى أن عسكرياً قتل يهودياً وأخذ سلعته فصدر الحكم بقتل العسكري، ثم قُتل يهودي بالسيف بتهمة أنه شتم مسلماً وسبّ دينه وهو في حالة سكر، فاحتج اليهود بباريس، وضغطت الحكومتان الفرنسية والانكليزية على الحكومة التونسية، فأمر الباي أحمد ابن أبي الضياف بإنشاء مكتوب عهد الأمان33.
79ومما جاء في هذا "العهد": "آثرت في قبول هذا الأمر، على خطره، مصلحة الوطن على ذاتي... وتأسيسه على قواعد:
80 الأولى: تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على اختلاف الأديان والألسنة والألوان، في أبدانهم المكرّمة وأموالهم المحرّمة وأعراضهم المحترمة، إلا بحق يوجبه نظر المجلس بالمشورة ويرفعه إلينا، ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن أو الأذن بإعادة النظر.
81الثانية: تساوي الناس في أصل قانون الأداء المرتب أو ما يترتب، وإن اختلف باختلاف الكمية، بحيث لا يسقط القانون عن العظيم لعظمته، ولا يحط على الحقير لحقارته، ويأتي بيانه موضحاً.
82الثالثة: التسوية بين المسلم وغيره من سكان الإيالة في استحقاق الإنصاف، لأن استحقاقه لذلك بوصف الإنسانية لا بغيره من الأوصاف، والعدل في الأرض هو الميزان المستوي.
83 الرابعة: إن الذمي من رعيتنا لا يجبر على تبديل دينه ولا يمنع من إجراء ما يلزم ديانته، ولا تمتهن مجامعهم ويكون لها الأمان من الإذاية والامتهان.
84الخامسة: لا نأخذ العسكر إلا بترتيب وقرعة ولا يبقى العسكري في الخدمة أكثر من مدة معلومة.
85الثامنة: إن سائر رعيتنا من المسلمين وغيرهم، لهم المساواة في الأمور العرفية والقوانين الحكمية، لا فضل لأحدهم على الآخر في ذلك "34.
86وبناءّ على هذا "العهد"، الذي أقرّ المساواة بين أبناء تونس على اختلاف دياناتهم، صدر، في الخامس من صفر من السنة 1275، الموافق لـ 14 أيلول 1858، أمر الباي بإلغاء الإجراءات التمييزية إزاء اليهود، وذلك
"بتسريح اليهود للبس الشاشية الحمراء، وشراء ما يملك من الربع والعقار بالحاضرة وغيرها، وامتحان الفلاحة، وهو من التسوية بمقتضى عهد الأمان، بل بمقتضى العدل وما يقتضيه حال كل زمان. ذلك أن تعيين زي مخصوص لأهل الذمة ليس من أصول الدين"35.
استخلاصات
87لم يلجأ رواد النهضة العربية إلى استخدام مصطلح المواطنة، الذي غاب عن الأدب السياسي العربي إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية على الأغلب. فقد تبيّن لي، على سبيل المثال، أن رائدين مصريين متأخرين من رواد هذه النهضة، هما أحمد لطفي السيد وطه حسين. لم يستخدما هذا المصطلح في كتاباتهما، واكتفيا بالحديث عن الأمة المصرية، وعن أبناء الأمة، وعن الفرد والمجموع، وعن الشخصية المصرية، وعن مفهوم التضامن، "تضامن المصري مع المصري، واحترام المصري للمصري، وثقة المصري بالمصري"، وعن ضمان الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية.
88بيد أن رواد النهضة العربية استوعبوا مضامين المواطنة الحديثة من خلال احتكاكهم، عبر قنوات متعددة، بالغرب، وحاولوا اقتباس مؤسسات دولة القانون، قاعدة المواطنة، بعد تبيئتها في البيئة العربية الإسلامية، إما من خلال نقل أسماء المؤسسات الغربية إلى اللغة العربية، أو من خلال الزعم بأنه كان لهذه المؤسسات ما يماثلها في التجربة التاريخية العربية-الإسلامية. كما ناضلوا من أجل توفير شروط المساواة أمام القانون بين أبناء الوطن، ومن أجل ضمان مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات.
89وكانت تكمن في خلفية انفتاح أولئك الرواد على مضامين المواطنة الحديثة قناعة بأن الحداثة، التي ولدت في الغرب وساهمت "الرشدية اللاتينية" في تمهيد الطريق أمام ولادتها، قد تحوّلت مع الزمن إلى مكتسب إنساني، بات منفتحاً من الناحية الموضوعية على إضافات غير أوروبية، بحيث إن تبنّي العرب المسلمين لما أنتجته لن يدفعهم إلى "التغرب" والتخلي عن هويتهم.
Bibliographie
ابن أبي الضياف، أحمد، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، تحقيق لجنة من وزارة الشؤون الثقافية، [تونس]، الدار العربية للكتاب، 1999.
اسحق، أديب، الكتابات السياسية والاجتماعية، جمعها وقدم لها ناجي علوش، بيروت، دار الطليعة، 1978؛ الدرر، عني بجمعها واختيارها جرجس ميخائيل نحاس، الإسكندرية، مطبعة جريدة المحروسة، 1886.
أمين، قاسم، تحرير المرأة، القاهرة، المكتبة الشرقية، 1905 (الطبعة الثانية).
البستاني، بطرس، نفير سورية (1860)، بيروت، دار فكر للأبحاث والنشر، 1990.
التونسي، خير الدين، مقدمة كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق ودراسة معن زيادة، بيروت دار الطليعة، 1978.
حسين، طه، مستقبل الثقافة في مصر، تونس، دار المعارف للطباعة والنشر، 2001.
الخطيب، محمد كامل (إعداد وتقديم)، قضية المرأة، القسم الأول والقسم الثالث، دمشق، وزارة الثقافة، 1999.
سواعي، محمد، أزمة المصطلح العربي في القرن التاسع عشر: مقدمة تاريخية عامة، دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1999.
السيد، أحمد لطفي، المنتخبات، الجزء الأول، القاهرة، دار النشر الحديث، 1973؛ الجزء الثاني، القاهرة، [مكتبة الأنجلو مصرية]، 1945.
الطهطاوي، رفاعة رافع، مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، مصر، [من دون دار نشر]، 1912، (طبعة ثانية).
الطهطاوي، رفاعة رافع، تخليص الإبريز في تلخيص باريز أو الديوان النفيس في إيوان باريس؛ والمرشد الأمين للبنات والبنين؛ في: الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي، دراسة وتحقيق محمد عمارة، السياسة والوطنية والتربية، الجزء الثاني، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1973.
فخري، ماجد، الحركات الفكرية وروادها اللبنانيون في عصر النهضة 1800-1922، بيروت، دار النهار للنشر، 1992.
الكواكبي، عبد الرحمان، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، القاهرة، المكتبة التجارية الكبري، 1931.
مصادر الكترونية
عبد الرزاق الحمامي، "المرأة في مشروع الحداثة التونسي"؛ في: almaraalinsaan.maktoobblog.com
Notes de bas de page
1 الطهطاوي، المرشد الأمين للبنات والبنين، ص 429 و ص 433.
2 البستاني، نفير سورية، ص 21 و ص 86-87.
3 اسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية، ص 66 و ص 74.
4 الطهطاوي، مناهج الألباب المصرية...، ص 10-11 و ص 15؛ المرشد الأمين للبنات والبنين، ص 433-434.
5 البستاني، نفير سورية، ص 21-23 و ص 63-70.
6 ابن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان..، المجلد الأول، الجزء الأول، ص 9-32.
7 الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ص 95 و ص 106.
8 المصدر نفسه، ص 94 و ص 99.
9 المصدر نفسه، ص 106.
10 المصدر نفسه، ص 105.
11 المصدر نفسه، ص 103-105.
12 خير الدين، مقدمة أقوم المسالك...، ص 44-46.
13 المصدر نفسه، ص 84-86.
14 المصدر نفسه، ص 52-54.
15 -الطهطاوي، المرشد الأمين للبنات والبنين، ص 469.
16 خير الدين، مقدمة أقوم المسالك...، ص 61-62.
17 المصدر نفسه، ص 67-69 و ص 82.
18 ابن أبي ضياف، إتحاف أهل الزمان...، المجلد الأول، الجزء الأول، ص 67-68.
19 البستاني، نفير سورية، ص 49 و ص 57-58.
20 انظر: فخري، الحركات الفكرية وروادها اللبنانيون في عصر النهضة، ص 28.
21 المصدر نفسه، ص 30-31.
22 -الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ص 110-111.
23 أمين، تحرير المرأة، ص 15-17.
24 باحثة البادية، "الزواج"؛ "تعدد الزوجات أو الضرائر"؛ "سن الزواج "؛ في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الثالث، ص 37-53.
25 أمين، "تعدد الزوجات"؛ في المصدر نفسه، ص 123-130.
26 عبد الرزاق الحمامي، "المرأة في مشروع الحداثة التونسي"، almaraalinsaan.maktoobblog.com
27 الطهطاوي، "في تشريك البنات مع الصبيان في التعلّم والتعليم وكسب العرفان"، في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الأول، ص 233-236.
28 البستاني، "خطاب في تعليم النساء" (1849)؛ في المصدر نفسه، ص 213-231..
29 اسحق، "حقوق المرأة" (1881)؛ في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الثالث، ص 233-237.
30 الطهطاوي، المرشد الأمين للبنات والبنين، ص 350-352.
31 الطهطاوي، المرشد الأمين للبنات والبنين، ص 350-352.
32 اسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية، ص 70؛ الدرر، ص 61-65 و ص 242-246.
33 ابن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان...، المجلد الثاني، الجزء الرابع، ص 232-240.
34 المصدر نفسه، ص 240- 244.
35 المصدر نفسه، ص 259.
Auteur
-
ماهر الشريف
معهد الدراسات الفلسطينية، بيروت
Le texte seul est utilisable sous licence Licence OpenEdition Books. Les autres éléments (illustrations, fichiers annexes importés) sont « Tous droits réservés », sauf mention contraire.
Villes, pratiques urbaines et construction nationale en Jordanie
Myriam Ababsa et Rami Farouk Daher
2011
Développer en Syrie
Retour sur une expérience historique
Élisabeth Longuenesse et Cyril Roussel (dir.)
2014
Traduire la citoyenneté, XIXe-XXIe siècle
De la circulation des mots et des idées et des tourments du traducteur
Ghislaine Glasson Deschaumes et Élisabeth Longuenesse (dir.)
2022
Mots de chair et de sang
Écrire le corps en Syrie (2011-2021)
Emma Aubin-Boltanski et Nibras Chehayed (dir.)
2021
كلمات من لحم ودم
الجسد في الواقع السوريّ (٢٠١١-٢٠٢١)
إيمّا أوبان بولتانسكي et نبراس شحيّد (dir.)
2022
